ابن الجوزي

53

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فمن ذلك / أنه قال [ فيه ] [ 1 ] : يا طالب العلم والأدب اعرف الأصول والفصول ، 25 / أفإن من الناس من يطلب الفصول مع إضاعة الأصول ، فلا تكون دركهم دركا ، ومن أحرز الأصول اكتفى بها من الفصول ، فإن أصاب الفصل بعد إحراز الأصل فهو أفضل ، وأفضل الأمر أن تعقد على الإيمان ، وتجتنب الكبائر ، وتؤدي الفريضة ، فإن قدرت أن تجاوز إلى الفقه والعبادة ، فهو أفضل ، وأصل الأمر في إصلاح البدن أن لا يحمل عليه من المآكل والمشارب والباءة إلا خفّا ، ثم إن قدرت أن تعلم عن جميع منافع الجسد ومضارة فهو أفضل . وأصل الأمر في المعيشة أن لا تني عن طلب الحلال ، وتحسن التقدير لما تفيد وتنفق ، ولا تغرنك سعة تكون فيها ، فإن أعظم الناس خطرا أحوجهم إلى التقدير ، والملوك أحوج الناس إليه من السوقة ، فإن السوقة قد يعيشون بغير مال ، والملوك لا قوام لهم إلا بالمال . وإن ابتليت بالسلطان فتغوث بالعلماء ، واعلم أن قائل المدح كمادح نفسه ، والرّاد له ممدوح ، والقائل له معيب ، إنك إن تلتمس رضا الناس تلتمس ما لا يدرك ، فعليك بالتماس رضا الأخيار ذوي العقول ، احرص الحرص كله على أن تكون خابرا بأمور عمالك ، فإن المسئ يفرق من خبرتك قبل أن يصيبه وقعك ، وإن المحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفك ، تعرف الناس فيما يعرفون من أخلاقك ، إنك لا تعاجل بالثواب ولا بالعقاب ، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي . واعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء ، فدعه للمهم ، فإن مالك لا يغني الناس كلهم ، فاخصص به أهل الحق ، وكرامتك لا تطيق العامّة ، فتوخ بها أهل الفضل . واعلم [ 2 ] إنما شغلت من رأيك في غير [ 3 ] المهم أزرى بك في المهم ، ليس للملك أن يغضب ، لأن القدرة من وراء حاجته ، ولا / أن يكذب ، لأنه لا يقدر أحد على استكراهه 25 / ب على ما لا يريد ، ولا أن يبخل ، لأنه أول الناس عذرا في خوف الفقر ، ولا أن يكون حقودا ، لأن خطره قد جلّ عن المجازاة ، وليتفقد الوالي حاجة الأحرار فيسد بها طغيان السفلة فيقمعه [ 4 ] وليتق حرم الكريم الجائع ، واللئيم الشبعان ، فإنما يصول الكريم إذا

--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل وأثبتناه من ت . [ 2 ] في الأصل : « والعلم » وما أثبتناه من ت . [ 3 ] في الأصل : « في رأي المهم » وما أثبتناه من ت . [ 4 ] في الأصل : « فليقمعه » وما أثبتناه من ت .